ابن عربي
93
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ودخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الرشيد فقال : ما لك ؟ فقال : سوامي سوام المكثرين تجمّلا * ومالي كما قد تعلمين قليل وآمرة بالبخل قلت لها اقصري * فذلك شيء ما إليه سبيل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى * ورأي أمير المؤمنين جميل أرى الناس خلّان الجواد ولا أرى * بخيلا له في العالمين خليل فقال الرشيد : واللّه هذا الشعر الذي صحت معانيه ، وقويت أركانه ومبانيه ، ولذّ على أفواه القائلين ، وأسماع السامعين . يا غلام ، احمل إليه خمسين ألف درهم . قال إسحاق : يا أمير المؤمنين ، كيف أقبل صلتك وقد مدحت شعري بأكثر مما مدحتك به ؟ قال الأصمعي : فعلمت أنه أصيد للدراهم مني . ودخل المأمون ذات يوم الديوان ، فنظر إلى غلام جميل على أذنه قلم فقال : من أنت ؟ قال : أنا الناشئ في دولتك ، المتقلب في نعمتك ، المؤمّل لخدمتك ، الحسن بن رجاء . فقال المأمون : بالإحسان في البديهة تتفاضل العقول ، يرفع عن مرتبة الديوان إلى مرتبة الخاصة ، ويعطى مائة ألف درهم تقوية له . ووصف يحيى بن خالد الفضل بن سهل وهو غلام على المجوسية للرشيد ، وذكر أدبه وحسن معرفته ، فعمل على ضمّه إلى المأمون ، فقال ليحيى يوما : أدخل يوما عليّ هذا الغلام حتى أنظر إليه فأوصله ، فلما مثل بين يديه ووقف تحيّر ، وأراد الكلام فارتج عليه ، فأدركته كبوة ، فنظر الرشيد إلى يحيى نظرة منكرة ، لما كان تقدم به في حقه ، فانبعث الفضل بن سهل فقال : يا أمير المؤمنين ، إن من أبين الدلالة على فراهة المملوك شدّة إفراط هيبته لسيده ، فقال له الرشيد : أحسنت واللّه ، لئن كان سكوتك لتقول هذه إنه لحسن ، وإن كان شيئا أدركك عند انقطاعك لأحسن وأحسن . ثم جعل لا يسأله عن شيء إلا رآه فيه مقدما ، فضمّه إلى المأمون . المزاح روينا من حديث الدينوري ، عن محمد بن المغيرة المازني ، عن خالد بن عمرو ، عن الربيع بن صبح ، عن الحسن قال : المزاح يذهب بالمروءة . وأنشد محمد بن المغيرة : أخوك الذي إن سؤته قال إنني * أسأت وإن عاتبته لان جانبه